المقريزي
197
المقفى الكبير
[ . . . ] ثمّ عاد إلى بلاد الروم في سنة ستّ عشرة بأبي إسحاق فأخذ حصنا ، وأتى مصر في حرّ شديد « 1 » . وولّى على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء ، وخرج عليه ناس من لخم بالحوف وحاربوه في شعبان ، فقاتلهم عيسى بن منصور الرافقيّ والي الحوف فظفر بهم . [ تكليفه الأفشين بقتال ثوّار برقة والصعيد ] ثمّ قدم الأفشين - واسمه خيذر بن كاوس الصغديّ - ومعه عليّ بن عبد العزيز الحبرويّ في ثالث ذي الحجّة فقتله يوم الأضحى ، وصرف عبدويه ، وخرج إلى برقة ، وولّى عيسى بن منصور الرافقيّ ، فانتقضت أسفل الأرض كلّها عربها وقبطها في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة [ ومائتين ] ، وأخرجوا العمّال وخلعوا الطاعة . وكان ذلك لسوء سيرة العمّال فيهم ، فقدم الأفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة فأقام بالفسطاط لأنّ النيل كان في مدّه . ثمّ خرج ومعه عيسى بن منصور في شوّال فحاربا القوم بناحية اشليم ، وقد عقدوا عليهم لابن عبيدس الفهريّ فهزموا ، وأسر منهم كثير ، ومضى الأفشين في إثرهم يقتلهم . وبعث عبيد اللّه بن يزيد بن مزيد فقاتلهم فهزموه إلى الإسكندريّة فحصروه بها . وقاتل طائفة منهم الأفشين بمحلّة أبي الهيثم « 2 » فظفر بهم وقتل كبيرهم أبا ثور اللخميّ ، ومضى إلى دميرة ، فحاربهم في ذي القعدة فظفر بهم . وقاتل عيسى بن منصور أهل تمى وهزمهم ، فمضى الأفشين إلى الإسكندريّة وقاتل بني مدلج بخربتا وهزمهم . ثمّ واقع آخرين وقتل وأسر حتّى دخل الإسكندريّة وقد فرّ منه رؤساء القوم . ثمّ خرج منها إلى أهل البشرود « 3 » فواقفهم حتى قدم أمير المؤمنين المأمون ، ومعه أخوه الأمير أبو إسحاق لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة . فسخط على عيسى بن منصور كما ذكر في ترجمته « 4 » وأوقع بأهل الصعيد وبأهل البشرود « 5 » ، حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال ، فقتل الرجال وباع النساء والأطفال [ 179 أ ] وسبى أكثرهم . وتتبّع أهل الخلاف فقتل كثيرا . ثمّ سار عن مصر لثماني عشرة من صفر وولّى على مصر كيذر بن نصر « 6 » . [ امتحان أهل مصر بخلق القرآن ] فورد كتاب أبي إسحاق على كيذر بأخذ الناس بالمحنة في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة [ ومائتين ] ، والقاضي يومئذ بمصر هارون بن عبد اللّه الزهريّ ، فأخذ كيذر بذلك فأجاب بخلق القرآن . وأخذ الشهود به فأجابوا ، فمن وقف منهم سقطت شهادته . وأخذ بها القضاة والمحدّثون والمؤذّنون . وكان الناس على ذلك إلى أن قام المتوكّل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، مدّة أربع عشرة سنة . ثمّ عزل المأمون أخاه أبا إسحاق عن مصر من أجل أنّ يحيى بن أكثم القاضي وشى به . ولم يزل أبو إسحاق مع أخيه المأمون إلى أن مرض المأمون بالبذنون على طريق طرسوس ، فعهد إليه لرؤيا رآها من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمر أن تكتب
--> ( 1 ) قراءة تقريبيّة . ( 2 ) محلّة أبي الهيثم : قال ياقوت : أظنّها بالحوف من ديار مصر . ( 3 ) البشرود : من كور أسفل الأرض ( ياقوت ) . ( 4 ) ترجمة عيسى بن منصور مفقودة . ( 5 ) كلام مطموس هنا لم نفهمه . ( 6 ) عند الكندي 193 : كيدر هو نصر ( بن عبد اللّه ) .